هدية الألباب في جواهر الآداب


هدية الألباب في جواهر الآداب
حمدا لمن قد زين الإنسانا******* بالعلم والأدب حيث كانا
ثم صلاة الله والتسليم******* لمن هو المهذب الكريم
وآله وصحبه ذوي النهي******* من بالكمال بلغوا هام السها
وبعد فالتهذيب للأولاد******* سعادة للشعب والبلاد
والولد المهذب المؤدب******* هو الذي للخير دوما يكسب
يستوجب الإعزاز و التكريما******* ويستحق في الوري اتعظيما
والولد الخالي من الآولاد******* يعد في جماعة الدواب
ولا يزال سيء المعاش******* يذكر في الناس مع الأوباش
يعيش طول عمره في النكد******* بين خصام الزوجة والولد
وهذه منظومة سنية******* حررتها في صورة الهدية
سميتها هدية الألباب في******* جواهر الآداب ياهذا الوفي
قدمتها حبا لأبناء الوطن******* تسعد منهم من إلي الخير سكن
لاسيما كل فتي أقام في******* مدارس العلم لنيل الشرف
فهو الأحق بمراعاة الأدب******* وكسبه يسموا به أعلي الرتب
فأسأل الله الثواب الحسنا******* وان يعم النفع منها الوطنا
الواجبات الدينية والكمالات الإنسانية
فأول الكمال للاولاد *******معرفة المولي العظيم الهادي
وصحة الإيمان والإقرار******* بكل ما صح عن المختار
ثم أداء واجب العبادة******* فإنها علامة السعادة
مثل الصلاة فهي ركن الدين******* فلا يمل عن هديها المبين
كذا بقية العبادات التي *******أثبتها في الشرع خير مثبت
فكل من حسنت عبادته *******من دون شك كملت سعادته
وكل من فرط في الإطاعة******* لربه لاترتج انتفاعه
ثم عليهم ذمة ودينا *******أن يصبح العرض لهم مصونا
ويهجروا صحبة كل فاسق******* فإنها من أقبح الطرائق
والعرض للمرء إذا مادنسا******* فليس من بين الأنام ينتسي
بل دائما إلي بلوغ الشيب******* يعيبه الناس بذاك العيب
ثم من اللازم للغلمان *******أن يهجروا صنائع النقصان
كالسرقات وفعال الإثم******* وكل أمر مورث للوم
والضابط المحرر الصواب******* أن يتركوا الحال الذي يعاب
وكل مايشينهم في الجهر******* عليهم هجرانه في السر
وجوب طاعة الوالدين
وواجب إطاعة الأبناء******* لأمهاتهم وللآباء
في كل أمر جائز مباح *******ليس به في الدين من جناح
فالوالدان لهم الإحسان *******علي البنين من زمان كانوا
والله في القرآن اوصي بهما******* فلهما كن أبدا معظما
واخدمهما خدمة عبد طائع *******وإن يقولا فاغد غير سامع
حسن النية ولزوم طاعة المعلم
ثم علي قصد نيل الأرب******* أن يحسن النية قبل الطلب
فإنما الأعمال بالنيات******* وحسنها الأساس للخيرات
وأعظم الأسباب للفتوح******* إطاعة المعلم النصوح
في كل أمر جائز مشروع******* ليس بمحظور ولا ممنوع
واخدمه والزم عنده التواضعا******* وكن إلي إكرامه مسارعا
ثم تحر دائما مسرته******* واستر بلطف وكمال زلته
وإن يكن يوما عليك غاضبا******* فكن إلي نيل رضاه طالبا
واصبر علي تأديبه الشديد******* فالصبر وصف الولد المحمود
ثم اتخذه ناصحا امينا******* لاتتخذه مبغضا مهينا
فإنه المحسن ذو الولاء******* وإن يكن في صورة الأعداء
فرحم الله الذي أبكاني******* لكن إلي الخيرات قد هداني
وخاب من أضحكني بالباطل******* وقادني للطرق الرذائل
النشاط والهمة في طلب العلم
ثم علي من يطلب الفضائلا *******أن يهجروا الفتور والتكاسلا
ويغتدي مجتهدا في درسه******* في كل يوم زائد عن امسه
ويلزم الصبر علي التحصيل******* مع سهر في ليله الطويل
يكررالدرس بلا ثواني******* حتى يصير مثل طبع ثان
واعتن بأن تفهم كل مسالة******* حفظتها فذاك وصف الكملة
فالحفظ للعلم بدون فهم******* كالكتب فوق الحمير البهم
العلم الضرورية
واعتن بحسن الخط والإنشاء******* فذاك زينة لدي الأكفاء
واحرص علي النحو فذاك السلم******* لكل علم تبتغيه الأمم
واكسب علوم العقل بالتمكين******* من بعد تصحيح اعتقاد الدين
واجعل علوم الشرع خير المقتني******* وخذ حماها ملجأ مستامنا
آداب المتعلم ومعاشرة الإخوان
ثم من الأسباب للنجاح *******هجرك للضحك وللمزاح
لاسيما كل فتي أقام في******* مدارس العم لنيل الشرف
وخفضك الصوت مع السكون******* من أدب المدرسة السنون
فرافع الصوت مسيء المدرسة *******مشارك إبليسه في الوسوسة
وعاشر الإخوان بالمسالمة *******واللطف والإحسان في المكالمة
وكن لهم اخا شفوقا ناصحا******* وإن أساؤوا فلتكن مسامحا
واغد لديهم صاحا نجيبا******* مكرما معلما حبيبا
الأخلاق الفاضلة للإنسان ومساوئها
ولا تكن وحشا مسيئاتكره في السر والجهار
ولاتكن فظا غليظ القلب مستثقلا لدي نفوس الصحب
ولا تكن سخرية مهذارا******* ولا أخا كذب ولا مكثارا
ولا سفيها باسط اللسان******* بالشتم والإيذاء للإخوان
وجانب النميمية الرذيلة******* والغيبة المذهبة الفضيلة
وكن نظيف الجسم والثياب******* معتدل الطعام والشراب
وامش الهوينا مشية الوقار******* بلا التفات موجب الإنكار
آداب المدرسة
واغد إلي المدرسة الكريمة******* مبكرا في غاية العزيمة
ففي البكور بركات جمة******* يمنحها الله لهذي الأمة
وكن لدي المجيء والذهاب *******مزينا بحلة الآداب
لاعاجلا لاصارخا لالاعبا *******بل سالكا من الطريق الجانبا
واعلم بأن الناس في انتقاد******* لكل شخص رائح أوغادي
لاسيما من ينتمي للعلم******* فنقده لديهم كالحتم
آداب التلميذ بين أسرته وفي منزله
وكن من الكمال في ازدياد******* في بيتك الخالي من النقاد
سلم علي وليك المكرم******* وقبلن راحته واحتشم
وقف لديه وقفة المؤدب******* والتزم الجلوس فوق الركب
ثم إذا ما قدم الطعام******* فكن غلاما عنده احتشام
وابتديء الاكل ببسم الله******* واختم بذكر الحمد للإله
ولا تعب أي طعام قدما******* بل كن شكورا للذي قد انعما
فربما كسرة خبز تشتري******* في يوم جوع بنظار احمرا
وكم نفوس في البرايا معدمة******* ماعندها مما لديك سمسمة
وكم مريض زائد البلاء******* أعجزه الداء عن الغذاء
شكر المنعم موجب لمزيد من النعم
فاشكر لمولاك علي الوجدان******* للرزق والصحة للأبدان
وهكذا كن في جميع النع*******م ملتزما لشكر رب منعم
فاشكر علي المسكن واللباس******* وانظر لمن دونك من الناس
لكن بنيل المجد فاغد ناظرا******* لمن سما من العلا منابرا
علو الهمة وطلب العمل
واعن بأن تفخر بالكمال******* لابصفات ربة الحجال
ما لفخر بالتصقيل للشعور******* ولا بتلوين ولا تعطير
ولا بثوب مثمن مزين ولا بمطعوم ولا بمسكن
مالفخر إلا باكتساب الشرف وطلب العلم بجل الشغف
آداب المعاشرة في المحافل وغيرها
وكن لدي الجلوس في المحافل ملتزما وصف الأديب الكامل
بجلسة يحمدها اللبيب وهيئة يشكرها الأديب
إياك إن تري لدي الخطاب ملتفتا أو مبدي اضطراب
أومكثرا إشارة اليدين أوناكرا اوغامزا بالعين
أوخافض الصوت عن المعتاد أورافعا إياه بازدياد
أوآتيا بحركات مشعرة بخفة اوخنث أو مسخرة
لاتقطعن كلام ذي الكلام ولا تمار الغير في خصام
ولا تفه بكلمة حتى تري موقعها مستحسنا محررا
وعذ بمولاك عظيم الشان من عثرات القول باللسان
فربما عثرة ذي المقال تجني شرورا لم تكن في البال
واحذر من التفريط عند الغضب فغضب المرء أساس العطب
وعاشر الجيرة أهل الوطن بصفة الحب وخلق حسن
وكن علي صالحهم امينا واعتبر الجميع كال أهلينا
مراعاة حقوق أهل الذمة والمحافظة علي عهودهم
وارع مواثيق مليك الأمة فيما يصون حقوق أهل الذمة
فصون حقهم به قد أمر شرع النبي المصطفي وقررا
ومن يسوءهم بهضم الحق يخالف الأمر لرب الخلق
يكون خصمه بيوم الحشر رسولنا طه مفيض البر
وجاء أن ظلمهم إن وجدا يسلط الأعداء علينا بالردي
كيف يجز ضرهم وهم لنا عون علي الأعدا إن خطب جنا
وهم من الجيرة في الاوطان لهم حقوق الوطن المصان
كما لهم حقوق الإنسانية وهذه لذي النهي مرعية
والدين يرجي فيه يوم الآخرة ينفذ فيه ربنا اوامره
أما بهذي الدار فالمطلوب منا امتثال الأمر يالبيب
نسعي كما المولي علينا فرضا في حفظ حق خلقه كيف قضي
ثم سياسة وفاء العهد يسد عنا باب مكر الضد
من يجعل انتصاره لمن ظلم وسيلة لمقصد منه علم
فيبلغ الغاية فينا مسرعا ويهضم الحقوق منا اجمعا
ولا يراعي غير جنسه كما يظهر بالقياس يامن فهما
فالاتفاق بيننا يدافع عنا شرورا كلها صوادع
محبة الوطن والدفاع عنه ومعني التمدن المحود
وكن محب الوطن المعظم ذاغيرة عليه للتقدم
فحبه عد من الإيمان وبغضه من أعظم الخسران
وابذل لهذا الخلق المجهودا حتى يكون طلبك المحمودا
فلا ينال المرء من فلاح حتى يري الاوطان في نجاح
ولا يكون حبها صحيحا حتى ينال حبها الترجيحا
علي حقوق النفس والأهلينا والصحب والآباء والبنينا
فما نجاح الأمم الغربية إلا بهذي الخصلة السنية
وباكتساب العلم والفنون وغير ذا من أوهن الظنون
فأصبحت ديارهم جنانا غنية وعربا مصانا
وقد غدو أعزة الملوك أعاظم الغني والصعلوك
وكل ذا من حبهم للوطن وكسبهم لكل فن حسن
هذا هو التمدن المحمود إليه يسعي الطالب السعيد
وليس بالإسراف والتبذير تمدن يعقل في الدهور
التواضع والمحافظة علي شرف الأسرة
ثم إذا ما نلت علما فاخرا وحزت جاها في البرايا
فاحذر من الكبر وسوء المسلك بين الودي دوما وإلا تهلك
وكن سياسيا دقيق النظر كاتم سر آخذا بالحذر
لاتغتر بالمدح ذي الإطناب وإن يكن من أكرم الأحباب
بل حاسب النفس وحافظ أبدا علي اكتساب المجد في طول المدي
واحذر ضياع الإسم من بين الملا فالإسم إن ضاع فقد ضاع العلا
وكل ماقدمته فاستعن عليه بالمولي عظيم المنن
واسأله توفيقا بلا خذلان ونعمة تبقي بلا خسران
وادع بخير للحقير الناظم واطلب له الإحسان في الخواتم

مواعظ

سأل عالم تلميذه: منذ متى صحبتني؟ 
فقال التلميذ: 
منذ ثلاثة وثلاثين سنة ... 
فقال العالم: 
فماذا تعلمت مني في هذه الفترة؟ ! 
قال التلميذ: 
ثماني مسائل… 
قال العالم :
إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم الا ثماني 
مسائل؟ ! 

قال التلميذ: 
يا أستاذ لم أتعلم غيرها ولا أحب أن أكذب. .. 
فقال الأستاذ: 
هات ما عندك لأسمع… 
****** ****** ****** ****** ****** ****** 

قال التلميذ: 

الأولى : 

أني نظرت إلى الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا فإذا ذهب إلى القبر فارقه محبوبه 
فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخلت معي . 

الثانية: 

أني نظرت إلي قول الله تعالى
 : ‘ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن 
الجنة هي المأوى ‘ 

فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله
 . 
الثالثة : 

أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت أن كل من معه شيء له قيمة حفظه حتى لا يضيع ثم 
نظرت إلى قول الله تعالى:
 ‘ ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ‘ فكلما وقع في يدي 
شيء ذو قيمة وجهته لله ليحفظه عنده . 

الرابعة: 

أني نظرت إلى الخلق فرأيت كل يتباهى بماله أو
حسبه أو نسبه ثم نظرت إلى قول 
الله تعالى:
 ‘ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ‘ فعملت في التقوى حتى أكون عند الله 
كريما . 

الخامسة: 

أني نظرت في الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا وأصل هذا كله الحسد 
ثم نظرت إلى قول الله عز وجل:
 ‘ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ‘ 
فتركت الحسد واجتنبت الناس وعلمت ان القسمة من عند الله فتركت الحسد عني . 

السادسة : 

أني نظرت إلى الخلق يعادي بعضهم بعضا ويبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضا 
ونظرت إلى قول الله تعالي:
 ‘ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ‘ فتركت عداوة 
الخلق وتفرغت لعداوة الشيطان وحده . 

السابعة: 

أني نظرت إلي الخلق فرأيت كل واحد منهم يكابد
نفسه ويذلها في طلب الرزق حتى انه 
قد يدخل فيما لا يحل له . 
ونظرت إلى قول الله عز وجل:
 ‘ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ‘ فعلمت 
أني واحد من هذه الدواب فاشتغلت بما لله عليّ وتركت ما لي عنده . 

الثامنة : 

أني نظرت إلى الخلق فرأيت كل مخلوق منهم متوكل على مخلوق مثله , هذا على ماله 
وهذا على ضيعته وهذا على صحته وهذا على مركزه . 
ونظرت إلى قول الله تعالى 
‘ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ‘ فتركت التوكل على
الخلق واجتهدت في التوكل على الله.
فقال الأستاذ: بارك الله فيك
خذ ستين ثانيه من وقتك فقط 
وحاول القيام بما يلي 
انشــــــــــــر 
ولنرى إن كان الشيطان قادرا على إيقاف هذا
 
الأمر
 :
سبحان الله 
الحمد لله
 
لا اله إلا الله
 
محمد رسول الله 
الله اكبر 
اللهم صل وسلم وبارك 
على نبينا وحبيبنا محمد وعلى اله وصحبه 
انشـــــــــــــر
 
وبعد ذلك قم بإرسال هذه الرسالة 

وبعد بضع ساعات تكون 
جمعت حسنات كثيرة 
جدا 
لأنك سبب في قيام الناس بذكر الله عز وجل

حكم قراءة القرآن جماعةً على طريقة ( الحزب الراتب )


حكم قراءة القرآن جماعةً على طريقة ( الحزب الراتب ) -  د. محمد عيسى

القرآن الكريم كلام الله تبارك وتعالى، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: ?إنا سمعنا قرآنا عجبا?(الجن/ 01) من علم علمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.رغّب الله تعالى في تلاوته فقال: ?ورتل القرآن ترتيلا?(المزمل/ 04)، وقال في آية أخرى: ?فاقرءوا ما تيسر من القرآن?(المزمل/20).بينما حذّر من هجره وجعلَه من شكاوى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه يوم القيامة، فقال: ?وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا?(الفرقان/30).فقراءة القرآن الكريم وتلاوته عبادة من أعظم العبادات وأجلّها عند المولى عزّ وجلّ لذلك رتّب عليها الأجر العظيم والرضوان العميم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))(الترمذي وقال: حسن صحيح غريب).

وحتى لا يحرم الأميُّ أو المريض من هذا الخير بسبب العجز عن القراءة فقد رغّب الشارع في بذل المجهود ورتّب عليه أجرا مضاعفا.عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن يتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران))، وفي رواية: ((والذي يقرؤه وهو يشتد عليه له أجران))(البخاري ومسلم واللفظ له، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه).وهذا تأكيد ظاهر على أن تلاوة القرآن أمر مرغوب فيه على كل حال
ولقد درجت الجزائر كغيرها من بلاد المغرب على قراءة القرآن الكريم جماعة فيما يعرف "بالحزب الراتب" جريا على العرف الجاري بهذه الديار.لكن غزتنا بدعة الحكم بمنع الاجتماع لقراءة القرآن جماعة في المسجد، حتى أن بعض المنتسبين للعلم الشرعي شنّعوها تشنيعا عظيما فبلغ الأمر ببعضهم إلى الاعتداء على القراء، ومنعهم بالقوة، وجارى بعض ضعاف الأئمة هذا التيار اتقاءً للإذاية والتشهير.وسأحاول في هذه الدراسة المقتضبة أن أحقق هذه المسألة تحقيقا علميا موضوعيا، وأن أبحث عن وجه الحق فيها.
تأصيل الموضوع:
يجب أن نؤكد حقيقة دينية تاريخية أولاُ، وهي أن فكرة منع قراءة القرآن الكريم على طريقة "الحزب الراتب" وافدة على نظام ديني اجتماعي قائم من قرون خلت بالمجتمع الجزائري خاصّة وبالمجتمع المغربي عامة، بل وبالعالم الإسلامي بوجه من الوجوه.وإنّ الأصل في النقاش والمناظرة أن يورد الوافد أدلة رأيه، ذلك أنه لا يتصور أن تتمالأ الأمة على مدى أعصار متعاقبة وتجتمع على الضلالة ومخالفة أمر الله تعالى وفيها العلماء والصالحون.فقد ثبت –كما أفاده ابن لبّ( )-: «أن العمل بذلك تضافر عليه أهل هذه الأمصار والأعصار، وهي مقاصد من يقصدها فلن يخيب من أجرها»( ).

دليل المانعين:
إن الذين يمنعون هذه الطريقة أساساً هم الكُتبيون الذين لا شيخ لهم إلا أوراق الكتب والرسائل، وهم أيضا أنصار بدعة دخيلة على السنة الجارية في طلب العلم الشرعي وهي ثقافة الأشرطة والهواتف، تجدهم يتفقهون بسماع الأشرطة يوم الخميس ويدرّسون محتواها يوم الجمعة ليفتوا بمقتضاها يوم السبت?
وبالجملة فإن أدلتهم لا تخرج عن أمرين اثنين:
- نصوص من السنة النبوية الشريفة فهموها على عمومها وإطلاقها.
- نصوص في المذهب المالكي يحاجّون بها من باب: إذا لم تحترموا نبيّكم فاحترموا على الأقل مذهبكم.

أما الأمر الأوّل: وهو أقوى ما يستدل به المانعون فأن الاجتماع لقراءة القرآن بدعةٌ، إذ لم يثبت على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه. ويستدلون لذلك بأدلة منها:
- ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ))(متفق عليه).
- وما بيّنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أن الإحداث في أمر الدين شرُّ الأمور إذ قال: ((إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها))(البخاري).
- وهو ما رواه جابر رضي الله عنه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمّى فيه الإحداث ابتداعا بلفظ: ((إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة))(مسلم).
ومقتضى هذا الاستدلال أن قراءة القرآن الكريم جماعة على الطريقة المعهودة محدثة ولا أشرّ من الإحداث في أمر الدين، فهو الابتداع المنهي عنه.
التحقيق العلمي:
إن التحقيق العلمي ينتهي إلى أن البدعة المنهي عنها في دين الله عزّ وجلّ لها شرطان:
الأول:أن تكون حادثة لم تكن في الصدر الأول.
والثاني: أن تناقض أصلاً من أصول الإسلام قرآنًا أو حديثًا نبويًّا شريفًا أو إجماعاً.
فإذا اجتمع الشرطان كان الأمر المحدَث هو البدعة الضلالة الذي يُحمل عليه حديث ((كل بدعة ضلالة))(سبق تخريجه).ويحمل عليه أيضا قولُ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه فيما رواه عنه ابن الماجشون( ): »مَن ابتدع في الإسلام بدعة يَراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأنّ الله يقول: ?اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا?(المائدة/03) فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا«( ).أما إذا لم يجتمع الشرطان فإما أن يكون الأمر غير محدث أصلا بل كان موجودا في الصدر الأول فلا يكون بدعة، أو أن يكون محدثا ولكنه لا يناقض أصلا من كتاب أو سنة أو إجماع فلا يكون حينئذ بدعة أيضا.وإن أطلق اسم البدعة عليه فإنما هو إطلاق بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الديني الاصطلاحي.- ويستدل لذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً يعمل بها من بعده كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة يعمل بها من بعده، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص شيئا))(مسلم والنسائي).فالأمر المحدث إن كان حسنا فمقبول وإن كان قبيحا فممنوع؛ والقبيح ما ناقض أصلا من أصول الشريعة، والحسن ما وافقها.- ويستدل أيضا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه)(البخاري).وقد حمل العلماء قوله على المعنى اللغوي للبدعة. فقال شيخ الإسلام ابن تيمية( ) رحمه الله: »وهذا الذي فعله هو سنة لكنه قال ((نعمت البدعة هذه))(سبق تخريجه.) فإنها بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله«( ).- وعلى نفس هذا الوجه يتأوّل إحداث عثمان بن عفان رضي الله عنه للأذان الثالث لصلاة الجمعة كما روى ذلك السائب بن يزيد رضي الله عنه: ((كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان زمان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء))(البخاري والنسائي).فالقاعدة في كل أمر محدث قبل أن نصدر حكم الله فيه، أن نعرضه على أدلة الكتاب والسنة والإجماع، فيكون حكمه ما نصت عليه هذه الأدلة بغضِّ النظر عن كونه محدثا أو غير محدث.قال شهاب الدين القرافي( ): »البدعة إذا عَرضت تُعْرض على قواعد الشريعة وأدلتها، فأي شيء تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به«( ).وربّ تصرف محدث يصحّ إطلاق اسم البدعة عليه في اللغة، ولكنه في ميزان الشرع سنّةٌ أو واجبٌ. قال مجد الدين بن الأثير( ): »البدعة بدعتان بدعة هُدًى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حِيِّز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحضّ عليه الله أو رسوله فهو في حيِّز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابًا فقال: ((مَنْ سَنَّ سُنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها))( سبق تخريجه) وقال في ضده: ((ومَن سَنَّ سُنّة سَيئة كان عليه وزرها ووزر مَن عَمل بها))(سبق تخريجه)، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلّى الله عليه وسلم«( ).وعلى هذا فهل قراءة القرآن الكريم جماعة على طريقة الحزب الراتب بدعة؟ لِنَرَ إن كان شرطا البدعة الضلالة متوفرين فيها:- أمّا أنها محدثة، فلا يناقش في ذلك أحد، فهي طريقة لم تكن على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عنها الإمام مالك رضي الله عنه: (لا أعرفه عن السلف)( ).                                                                              
- أما أنها تناقض نصا في كتاب الله تعالى أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالعكس هو الصحيح:                                                                                                           فقد استند من اعتمد على القراءة الجماعية للقرآن الكريم على طريقة "الحزب الراتب" إلى أدلة من النقل والعقل منها:  - الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده))(مسلم وأبو داود وغيرهما).- ومنها ما ثبت عن معاوية رضي الله عنه قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة))(مسلم).- ومنها ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه: (كان يدرس القرآن معه نفر يقرؤون جميعا).- ومنها استحسان العلماء الذين عليهم المدار في الفتوى لهذه الطريقة. فقد نقل الإمام أبو العباس الونشريسي( ) أنه «شوهد الإمام ابن عرفة( ) رحمه الله يجمع الثلاثة والأربعة في حزب واحد للتجويد، وشوهد أبو الحسن البطرني( ) يجمع الثلاثة في القراءة»( ).- ومنها أن القراءة بهذه الكيفية المعهودة عادة حسنة لا تخالف الشرع، والعادة الحسنة إذا لم تخالف الشرع ولم تناقض أصلا من أصوله فلها اعتبارها، ولهذا قال العلماء: (الثابت بالعرف كالثابت بالنص)( ).فهذه الكيفية مما جرى به العمل، ولا يصحّ تغيير هذا العمل إلا إذا صادم وناقض أدلة الشريعة الصريحة.يشهد على ذلك تصريح الجمّ الغفير من العلماء الأعلام، من ذلك:قول عيسى السكتاني( ):«فإذا اتّضح لك توجيه ما جرى به العمل لزم إجراء الأحكام عليه لأن مخالفة ما جرى به العمل فتنة وفساد كبير»( ).

قول أبي إسحاق الشاطبي( ):«والأَولى عندي في كل نازلة يكون فيها لعلماء المذهب قولان، فيعمل الناس فيها على موافقة أحدهما، وإن كان مرجوحا في النظر، أن لا يعرض لهم، وأن يجروا على أنهم قلّدوه في الزمان الأول وجرى به العمل، فإنهم إن حملوا على غير ذلك كان في ذلك تشويش للعامة وفتح لأبواب الخصام»( ).

وقول ابن عبد البر( ):«إذا رأيت الرجل يعمل بالعمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه»( ).

وقول أبي العباس الونشريسي: «والاستشهاد بعمل أهل البلد ببعض الأقوال الفقهية دون بعض أمر معروف شهير عند الخاص والعام لا يجهله من له بالطلب أقلّ تلبس»( ).

وغير هذه النصوص كثيرة في المذهب المالكي وفي غيره من مذاهب الأمصار، وتستند كلها على أدلة من نصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة.

وهي تدل في مجموعها أن ما جرى به العمل في الأمصار له سلطان ولو كان مرجوحا شرط ألا يصادم ويناقض أصلا من أصول الشريعة.

وما قراءة القرآن الكريم على هذه الطريقة المعهودة إلا عمل جارٍ منذ قرون بهذه الديار، ففيما النزاع؟

- ومن أدلتهم أيضا أن هذه الطريقة فيها منافع جمّة، ومصالح لا تعدّ إذا أحسن القارئ القراءة وتأدب بآدابها، واحترم الوقوف، وأحكام الترتيل، ومخارج الحروف.

والعمل إذا تضافر عليه أهل الأمصار والأعصار، ولم يرد من الشرع ما يمنعه أو يقرُّه، فهو من المصالح المرسلة التي تأكدت فيها المصلحة.

والمنافع والمصالح المترتبة على كيفية "الحزب الراتب" أكثر من تحصر، منها:

أولا: تعهد القرآن الكريم، فهي تساعد على حفظه وضبطه ومراجعته وعدم نسيانه، وهي بذلك تحقق الاستجابة للأمر النبوي الوارد فيما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تعاهدوا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عُقُلها))(مسلم).

وقد حمل بعض المفسرين قوله تعالى: ?ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى?(طه/125-126)، على نسيان القرآن بعد حفظه.

ثانيا: تسميع كتاب الله تعالى لمن يريد سماعه من عوام المسلمين، إذ لا يقدر العامي على تلاوته فيجد بذلك سبيلا إلى سماعه، ثم إن كثيرين حفظوا القرآن من خلال مواظبتهم على الحزب مع الجماعة.

ثالثا: ومنها التماس الفضل المذكور في حديث: ((ما اجتمع قوم...))(سبق تخريجه)، فقد استفيد منه أن كل قوم اجتمعوا لما ذكر حصل لهم الأجر من غير اشتراط وصف خاص فيهم من علم أو صلاح أو زهد.

وبالجملة فإن الذين أحدثوا طريقة "الحزب الراتب" لحفظ القرآن الكريم واستدامة استحضاره لم يبتدعوا البدعة الضلالة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أحدثوا طريقة علمية تربوية في الحفظ والاستحضار مثلما أحدث عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما طرقا في حفظ الدين. وأنه نشأ عن هذا الاختيار نظام ديني اجتماعي يعتبر الخروج عنه فتنة وفسادا كبيرا.

الأمر الثاني:

يدّعي هؤلاء أن الذين يعتمدون كيفية الحزب الراتب قد خالفوا مذهبهم الذي نهى عن هذا الفعل، ومما يستند إليه هؤلاء:

- ما ورد عن الإمام مالك عندما سئل عن هذه المسألة فقال: (لا أعرفه عن السلف).

ولكن التحقيق أن المراد بهذه العبارة كما قال ابن رشد( ): «أن هذا العمل لم يثبت فيه نص»( ).

فقول الإمام مالك على هذا لا يحمل على النهي والتحريم، ولكنه يحمل على أمرين:

الأول: تأصيل المسألة ببيان أن الطريقة محدثة ومن ثمّ تعتريها الأحكام المذكورة سابقا.

الثاني: أن هذا منهجه في إيثار الاتباع، وكراهة مخالفة السلف.

- كما يستند المخالف إلى ما تناقله بعض فقهاء المذهب من المنع عن قراءة القرآن جماعة.

ولكنّه متأوّل من وجهين:

1/ حملوا المنع على الكراهة وعلّلوها بالتقطيع، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فقد قال محمد البناني( ): « وقد عللوا النهي عن قراءة القرآن جماعة بالتقطيع، ومع ذلك قالوا النهي للكراهة لا أنه منع»( ).

قال ابن لبّ: « أما قراءة الحزب في الجماعة على العادة فلم يكرهه أحد إلا مالك على عادته في إيثار الاتباع، وجمهور العلماء على جوازه واستحبابه وقد تمسكوا في ذلك بالحديث الصحيح »( ).

2/ حملوا المنع على المعلم يغرر في تعليم تلامذته قراءة القرآن، فإنهم إن قرأوا جماعة لا يعرف الحافظ منهم من غير الحافظ؛ وبالتالي فإنه لا يفي بحقهم في التعلم في مقابل الأجر الذي يتقاضاه. فسّر ذلك القابسي( ) عندما سئل فأجاب: « إن اجتماعهم على القراءة بحضرته يخفي عليه القوي الحفظ من ضعيفه»( ). فإذا زالت علة الغرر زال الحكم بزوالها.

لذلك علّق أبو العباس الونشريسي على اشتهار ذلك عن بعض الأعلام بقوله: «لكن إنما يقرؤون لله تعالى، فلا يدركهم هذا الحكم المذكور، وهذا بعد تسليم جواز الاجتماع على القراءة وهو مذهب الجمهور، وتعضده الآثار الصحيحة»( ). أي أنهم لا يتقاضون على تعليمهم أجرا، فلا يلحقهم حكم الكراهة؛ أما جواز القراءة الجماعية في غير وجه التعليم المأجور فهو مسلَّم كما ترى.

- وعلى فرض عدم التسليم، واستصحاب الخلاف، فقد سبق سوق عبارات الفقهاء الصريحة في أنه (لا إنكار في مورد الخلاف)( ).

ونضيف عليها قول أبي عبد الله السجلماسي( ):«وإذا كان القول المعمول به راجحا بالعمل، لم يجز للقاضي ولا المفتي العدول عنه إلى غيره، وإن كان مشهورا»( ).

وقول القاضي المجاصي( ):«وخروج القاضي عن عمل بلده ريبة قادحة، لكن يقتصر من العمل على ما ثبت، ويسلك المشهور فيما سواه»( ).

وخلاصة القول:

إنّ الأدلة التي ساقها أدعياء البدعية، على قوتها، لا تتوجه على موضوعنا، وهي استدلال في خارج محلّ النزاع؛ فشروط البدعة غير متوفرة في قراءة القرآن جماعة على طريقة "الحزب الراتب". بل إنّ الأدلة التي استند إليها معتمدو هذا المنهج من القوة والتنوّع بحيث تنفي كل ريب أو شك في مشروعية الطريقة.

إن أقلّ ما يمكن أن يقال: إنّ قراءة القرآن جماعة بصوت واحد جائزة إن لم تكن مندوبة ومستحبة، وذلك إذا كانت القراءة صحيحة خالية من اللحن ومن الكبر والرياء، بحيث يراد منها الحفظ والضبط والمراجعة، ولا يعتقد فاعل ذلك أنه يقدم على مكروه تقليدا لمالك، بل يعتقد معنى الحديث النبوي الشريف المتقدم وتقليد من يستحب ذلك ويستحسنه والله أعلم بالصواب.

أما هجر هذه الطريقة ومنعها حتى أمسى بعض الأئمة يؤمون التراويح من المصاحف، وآخرون يلحنون في القراءة، ولا يكادون يحفظون من كلام الله إلا قليلا، بل يعجزون عن الاستشهاد بآي القرآن فخطير خطورة هجر القرآن ذاته.

وإننا نحذر هؤلاء من مثل هذا الغلو، فإن نسيان القرآن فيه وعيد شديد محتمل، ألم يقل عليه الصلاة والسلام: ((إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب))(الترمذي وقال: حسن صحيح؛ والحاكم وقال: صحيح الإسناد)؟

لطف الله بنا، ومنّ علينا بصلاح أحوالنا بجوده وفضله وكرمه. أمين.

الهوامش

انظر أيضا: فتوى الشيخ أحمد حماني رحمه الله، في جريدة "العقيدة" الصادرة بتاريخ: 03 جمادى الأولى 1414ه الموافق 17 نوفمبر 1993م.

( ) هو أبو العباس فرج بن لب الغرناطي، مفتي محقق، ولد في 701ه وتوفي في حدود 782ه.

( ) المعيار المعرب لأبي العباس الونشريسي: 1/155.

( ) هو أبو مروان، عبد الملك بن الماجشون، فقيه مالكي شهير، توفي في حدود 213ه.

( ) الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي: 1/49.

( ) هو أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الحنبلي، ولد في 661ه وتوفي في 718ه.

( ) فتاوى ابن تيمية في الفقه: 22/234-235.

( ) هو أبو العباس، أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي، رئيس المالكية في وقته، توفي في 684ه.

( ) أنوار البروق في أنواء الفروق لشهاب الدين القرافي: 4/204.

( ) هو المبارك بن الأثير، محدث، ولد في 544ه وتوفي في 606ه؛ وهو أخو ابن الأثير المؤرخ.

( ) النهاية في غريب الحديث والأثر لمجد الدين ابن الأثير: مادة بدع.

( ) البيان والتحصيل لأبي الوليد ابن رشد.

( ) هو أبو العباس، أحمد بن يحيى الونشريسي؛ من أعلام المذهب المالكي، توفي في 914ه.

( ) هو أبو عبد الله، محمد بن عرفة الورغمي التونسي، ولد في 716ه وتوفي في 748ه.

( ) هو محمد بن أحمد البطرني التونسي، فقيه ومحدث، ولد في 702ه وتوفي في 793ه.

( ) المعيار المعرب: 8/249.

( )حاشية ابن عابدين: 4/364؛ المبسوط للسرخسي: 13/14؛ قواعد الفقه للمجددي: 1/74.

( ) هو أبو مهدي عيسى السكتاني، متكلم وفقيه مالكي، ولد بمراكش، وبها أفتى وقضى، توفي سنة 1062ه.

( ) فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد لأبي عبد الله محمد السجلماسي: ص.6.

( ) هو إبراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي، أصولي من أئمة المالكية؛ توفي في 790ه.

( ) فتاوى الإمام أبي إسحاق الشاطبي: 150.

( ) هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله النمري، محدث نظار، ولد في 368ه وتوفي في 463ه.

( )العرف والعمل في المذهب المالكي ومفهومهما لدى علماء المغرب، د.عمر الجيدي: 362.

( ) المعيار المعرب: 2/196.

( ) هو أبو الوليد، محمد بن رشد، قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها؛ له كتاب "البيان والتحصيل"، توفي في 520ه.

( ) البيان والتحصيل لابن رشد.

( ) هو أبو عبد الله محمد البناني، من كبار الفقهاء، تولى قضاء طنجة والصويرة وغيرها، توفي في 1307ه.

( ) حاشية الدسوقي: 1/198

( ) المعيار المعرب: 1/155. والمراد بالحديث: "ما اجتمع قوم..." السابق تخريجه.

( ) هو أبو الحسن، علي المعافري، المعروف بالقابسي، أول من أدخل صحيح البخاري إلى افريقية، وسنده مذكور في أوائل "فتح الباري"، ولد في 324ه وتوفي في: 403ه.

( )المصدر السابق: 8/249.

( ) نفسه.

( ) الأشباه والنظائر للسيوطي: 175.

( ) هو أبو عبد الله محمد بن الفلاني السجلماسي، فقيه بارع في تحرير الأحكام والنوازل، توفي في 1214ه.

( ) فتح الجليل: ص.6.

( ) هو أبو محمد عبد الله المجاصي، محدث وفقيه أصولي، كان خطيبا بتلمسان، وهو من شيوخ المقري الجد.

( ) المصدر السابق.


 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م